الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

205

تفسير روح البيان

على أنه تعالى يجازى على القليل من الخير كما يجازى على الكثير والترهيب من حيث إنه يجارى على القليل والكثير من الشر أيضا فلا يضيع عنده عمل عامل * وعن عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه انه مر ببقيع الغرقد فقال السلام عليكم أهل القبور اخبار ما عندنا ان نساءكم قد تزوجن ودوركم قد سكنت وأموالكم قد قسمت فأجابه هاتف يا ابن الخطاب اخبار ما عندنا ان ما قدمناه وجدناه وما انفقناه فقد ربحناه وما خلفناه فقد خسرناه ولقد أحسن القائل قدم لنفسك قبل موتك صالحا * واعمل فليس إلى الخلود سبيل قال السعدي تو غافل در انديشهء سود ومال * كه سرمايهء عمر شد پايمال غبار هوا چشم عقلت بدوخت * سموم هوا كشت عمرت بسوخت بكن سرمه غفلت از چشم پاك * كه فردا شوى سرمه در چشم خاك اعلم أن الإنسان إذا مات انقطع عمله الا ان يبقى بعده واحد من الأولاد الأربعة التي لا ينقطع أجرها * الأول ما يتولد من مال الإنسان كبناء المساجد والجسور والرباط والأوقاف وغير ذلك من الخيرات : كما قال السعدي في البستان از ان كس كه خيرى بماند روان * دمادم رسد رحمتش بر روان نمرد آنكه ماند پس از وى بجاى * پل ومسجد وخان ومهمان سراى هر آن كو نماند از پسش يادگار * درخت وجودش نياورد بار وگر رفت وآثار خيرش نماند * نشايد پس مرگ الحمد خواند وإلى هذا أشار عليه السلام بقوله ( من صدقة جارية ) في حديث ( إذا مات الإنسان انقطع عمله الا من ثلاث ) والثاني ما يتولد من العقل الراجح كالعلم المنتفع به واليه الإشارة بقوله عليه السلام ( أو علم ينتفع به ) قيل هو الاحكام المستنبطة من النصوص والظاهر أنه عام متناول ما خلفه من تصنيف أو تعليم في العلوم الشرعية وما يحتاج اليه في تعلمها قيد العلم بالمنتفع به لان ما لا ينتفع به لا يثمر اجرا كما أن كتم ما ينتفع به لا يثمر اجرا بل اثما وعذابا كما ورد في الحديث ( من كتم علما بعلمه الجم يوم القيامة بلجام من النار ) * قال الامام السخاوي يشمل هذا الوعيد حبس الكتب عمن يطلبها للانتفاع بها * والثالث ما يتولد من النفس كالبنين والبنات واليه الإشارة بقوله عليه السلام ( أو ولد صالح يدعو له ) قيد عليه الصلاة والسلام بالصالح لان الاجر لا يحصل من غيره * واما الوزر فلا يلحق بالأب من سيئة ولده إذا كانت نيته في تحصيله الخير وانما ذكر الدعاء له تحريضا للولد على الدعاء لأبيه لا لأنه قيد لان الاجر يحصل للوالد من ولده الصالح كلما عمل عملا صالحا سواء دعا لأبيه أم لا كمن غرس شجرة يحصل له من أكل ثمرتها ثواب سواء دعا له من أكلها أم لم يدع وكذلك الام * فان قلت ما التوفيق بين هذا الحديث وبين قوله عليه السلام ( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها واجر من عمل بها إلى يوم القيامة ) وقوله عليه السلام ( من مات يختم على عمله الا المرابط في سبيل اللّه فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ) * قلنا السنة المسنونة من جملة العلم المنتفع به ومعنى حديث المرابط ان ثواب عمله الذي قدمه في حياته